الشعر
القلم الجسور
إِلَـى تِلْكَ الرُّبَـى يَا نَفْسُ سِيرِي = وَحُثِّـي الْخَطْوَ عَنْ دُنْيَا القُشُورِ وَسِرْ يَا قَلْبُ فِـي دَرْبِ الْمَعَالِـي = وَحَلِّـقْ حَيْـثُ شِـئْتَ إِلَى النَّـظِـيرِ وَلا تَأْسَفْ مِنَ النُّكْـرَانِ جَـوْرًا = وَلا تَـأْلَمْ مِـنَ الصَّلَـفِ الْـكَـفُـورِ لَكَمْ ثَـابَـرْتُ فِـي شـرَفٍ وَحِيـدًا = غَرِيـبًا فِـي الْحَـيَاةِ بِلا نـصِـيرِ وَطُفْتُ عَلَى مَدَارِ النَّجْمِ فَرْدًا = أُفَتِّشُ عَنْ مَقَامٍ لِلشُّعُورِ كَأَنِّي فِي قِفَارِ النَّاسِ غَيْثٌ = يُكَابِدُ جَحْدَ أَشْوَاكِ الثُّغُورِ وَكَمْ غنَّـيْتَ فِي أَيْـكٍ بِـلَـحْنٍ = وَغَـنَّى السّرْبُ بِـاللَّحْنِ الشَّهِيـرِ وَكَـمْ عَـانَـيْـتَ مِـنْ سَـرَفِ انْتِقَادٍ = عَلَى غَرَضٍ وَمِنْ بَعْـضِ الـفُـتُورِ فَـمَا بِـعْتَ الْـمَـبَـادِئَ لِـلتَّبَاهِي = وَمَا سُمْتَ الكَرَامَةَ بِـالظُّـهُورِ لَقَـدْ بُويِعْتُ عَـرْشَ الشِّعْرِ عَشْرًا = فَمَا اسْتَعْلَيتُ فِي بُـرْجِ الغُرُورِ وَمَا يَـوْمًـا سَـعَيْـتَ لِـغَـيْرِ حَقٍّ = وَلا يَوْمًـا كَلَلْـتَ عَـنِ الْمَسِـيـرِ وَمَا يَنْهَى عَـنِ الإِنْصَافِ عِنْـدِي = وِدَادُ الـحُرِّ أَوْ بُغْضُ الـغَرِيرِ أَنَا المَهْمُومُ قَدْ أَفْنَيْتُ عُـمْرِي = أُضِيءُ الدَرْبَ مِنْ شَمعِ الضَّمِيرِ نَقَشْتُ مِـنَ الحُرُوفِ عَلَى الْمَعَانِي = كَـمَا الثَّوْبِ الْمُـطَرَّزِ باِلْـحَـرِيـرِ وَأَلْـبَسْـتُ الغَرَامَ عَـفَافَ قَـلْبٍ = تَفَـانَى فِـي الرَّقِيقِ مِنَ الشُّعُـورِ بِـشِعْرٍ لاحَ ظَاهِـرُه الْـتِزَامًا = وَبَـاطَـنُهُ الـرَّحِيـقَ مِن الـعَبِـيـرِ وَكَـمْ غَـنَّـيْتُ لِـلأَوْطَانِ شِـعْـرِي = فَأَغْدَقَ غَيْمَةَ الْوَلَـهِ الأَثِـيرِ فِلِسْطِيـنُ التِـي فِـي القَلْـبِ قَلْـبٌ = وَفِي عَيْنِ الْهَوَانِ بِلا ثُغُـورِ وَهَبْتُ لَهَـا المُـعَتَّـقَ مِـنْ وَفَائِـي = وَصُنْتُ لَهَا الكَرَامَةَ فِـي الدُّهُـورِ وَثُرْتُ عَلَـى العَدُوِّ وَجَوْرِ عَـجْـزٍ = وَكُلُّ العَـجْزِ فـي تِـلْـكَ القُـصُـورِ فَكُنْتُ وَقَدْ رَجَـوْتُ لَهَا فِـدَاءً = أَقُـومُ بِـهِـمَّةِ الحُـرِّ الـغَـيُورِ وَكُنْتُ إِذَا كَـتَـبْـتُ لَـهَا قَـرِيْـضًـا = جَعَلْتُ العَجْـزَ يُثْـخِنُ فِي الـصُّـدُورِ نَسَجْتُ قَصَائِدِي مِنْ خَزِّ رُوحِي = لِأُلْبِسَ عُرْيَ وَاقِعِنَا الفَقِيرِ وَأَسْرَجْتُ القَوَافِيَ حَامِلاتٍ = مَصَابِيحَ الهُدَى عَبْرَ الدُّهُورِ سَكَبْتُ لِقُدْسِنَا رُوحِي مِدَاداً = فَحَمْحَمَتِ الصَّوَارِمُ فِي السُّطُورِ وَمَا الأَقْصَى سِوَى شِرْيَانِ نَبْضٍ = يَضُخُّ العِزَّ فِي رِئَةِ العُصُورِ أُطَاوِلُ بِالـمَـجَـرَّةِ عَـزْمَ قَـوْمٍ = يَـرَوْنَ الـنَّـصْـرَ فِـي صَـخَبِ الـزَّئِـيرِ لَعَلِّـي أَفْتَـدِي بِالـرُّوحِ أَهْـلاً = بِحَـدِّ الـسَّـيْـفِ وَالقَـلَـمِ الْـجَـسُـورِ إِلِـيْـكِ بِـأَرْفَـقِ الـكَلِمَاتِ أَسْعَى = وَبِـالأَمَـلِ الـمُشِيرِ إِلَـى الـنَـفِـيـرِ فَـإِنِّـي شَـاعِـرُ الـقُـدْسِ الْـمُـعَـنَّـى = وَإِنِّـي شَاعِرُ الأَقْصَى الأَسِـيـرِ وَإِنِّـي قَدْ بُـلِـيتُ بِهَمِّ قَوْمِـي = أُجَـاهِـدُ بَـيْـنَ نِـيرَانٍ وَنُورِ أُعَانِقُ هَامَةَ الجَوْزَاءِ صِدْقًا = وَأَتْرُكُ لِلأَسَافِلِ كُلَّ زُورِ وَأَصْفَحُ عَنْ سَفَاهَةِ كُلِّ غِرٍّ = صَفَاءَ البَحْرِ عَنْ عَبَثِ الصُّخُورِ وَمَا ضَرَّ الشُّمُوسَ إِذَا تَجَلَّتْ = عَمَى العَيْنَيْنِ فِي جَنفِ الجُحُورِ قَبَضْتُ يَدَ السَحَـابِ بِبَعْضِ عَزْمِي = وُجُزْتُ بِـهَا لِـبَـارِقَـةِ السُّرُورِ أُنَاشِـدُهَـا الـهُـطُـولَ بِـفَـيْـضِ عِـلْـمٍ = تَـجَاهَـلـهُ الـكَبِـيرُ مَـعِ الصَّـغِـيـرِ وَأَقْـلَـعَ ذُو الـبَـصِـيـرَةِ عَـنْ سَـبِـيلٍ = وَأَتْـبَـعَ خُطْوَةَ الأَعْـمَـى الضَرِير فَـكُـنْتُ وَبَـعْـدَ هَـذَا الـجُـهْـدِ أَبْدُو = كَسَاقِـي الأَرْضِ فِي اليَوْمِ الْمَطِـيـرِ فَـهَـلْ قَـدْ ضَنَّتِ الـدُّنْـيَا بِـقَـوْمٍ = كَـأَمْـثالِ الـقَـلائِـدِ فِـي الـنُّحُـورِ وَهَـلْ جَفَّـتْ بُحُـورُ الـشِّـعْـرِ حَـتَّـى = يَـكَـادُ الـشّـعْرُ لا يَرْوِي غَدِيـرِي لَكَـمْ وَرَدَ الـمَـنَـاهِـلَ وَهْيَ جَدْبٌ = فَـأَصْدرَ بِـي عَنِ الحَرْفِ الـنَّمِـيرِ أَلا إِنَّ الـنُّـفُـوسَ إِذَا اسْتَـقَامَـتْ = تَـسَـامَـتْ بِـالـخَطِـيـرِ عَـنِ الحَقِـيـرِ وَمَـا يُـرْجَى لِذِي قَدْرٍ مَقَـامٌ = إِذَا افَـتَخَـرَ الـبَـصِـيـرُ بِدَارِ عُورِ سَأَمْـضِـي مَـا حَيِيتُ عَلَى سَبِيلِي = وَلا أَرْجُو سِوَى الـمَـوْلَى الـقَدِيـرِ أَذُودُ بِـهِـمَّتِـي عَـنْ كُلِّ حَـقٍّ = وَأُبْـرِئُ ذِمَّةَ العَـبْدِ الـشَّـكُورِ فَـتَقْصِيـرِي عَنِ اسْتِرْضَـاءِ رَبِّـي = أشَدَ عَـلَـيَّ مِـنْ كَـلْبٍ عَقُورِ يُـبَـادِرُ بِالإِسَـاءَةَ طَـوْعَ حِقْدٍ = فَأَدْفَعُهُ بِحِـلْـمِي لا ثُـبُـورِي وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُـونَ لَهُ مُـجِـيْـبًـا = وَفِـي خُـلُـقِ الـتَّرَفُّعِ خَـيـرُ سُورِ سَأَمْـضِي وَالـدُّمُـوعُ عَـلَـى إِخَاءٍ = تَـخُطُّ رِسَـالَةَ الحُزْنِ الـمَرِيرِ إِذَا مَا أَوْجَـعَـتْ لَمْ أَجْـفُ عَيْـنِـي = وَلا كَـفِّـي الـكَـسِيرَةَ مِـنْ قُصُـورِ فَـإِنْ أَفَـلَ الوِدَادُ عَلَى قُلُـوبٍ = فَـقَـلْـبِي بِالوِدَادِ سِرَاجُ نُـورِ
إلى تلك الربى يا نفس سيري = وحثي الخطو عن دنيا القشور وسر يا قلب في درب المعالي = وحلق حيث شئت إلى النظير ولا تأسف من النكران جورا = ولا تألم من الصلف الكفور لكم ثابرت في شرف وحيدا = غريبا في الحياة بلا نصير وطفت على مدار النجم فردا = أفتش عن مقام للشعور كأني في قفار الناس غيث = يكابد جحد أشواك الثغور وكم غنيت في أيك بلحن = وغنى السرب باللحن الشهير وكم عانيت من سرف انتقاد = على غرض ومن بعض الفتور فما بعت المبادئ للتباهي = وما سمت الكرامة بالظهور لقد بويعت عرش الشعر عشرا = فما استعليت في برج الغرور وما يوما سعيت لغير حق = ولا يوما كللت عن المسير وما ينهى عن الإنصاف عندي = وداد الحر أو بغض الغرير أنا المهموم قد أفنيت عمري = أضيء الدرب من شمع الضمير نقشت من الحروف على المعاني = كما الثوب المطرز بالحرير وألبست الغرام عفاف قلب = تفانى في الرقيق من الشعور بشعر لاح ظاهره التزاما = وباطنه الرحيق من العبير وكم غنيت للأوطان شعري = فأغدق غيمة الوله الأثير فلسطين التي في القلب قلب = وفي عين الهوان بلا ثغور وهبت لها المعتق من وفائي = وصنت لها الكرامة في الدهور وثرت على العدو وجور عجز = وكل العجز في تلك القصور فكنت وقد رجوت لها فداء = أقوم بهمة الحر الغيور وكنت إذا كتبت لها قريضا = جعلت العجز يثخن في الصدور نسجت قصائدي من خز روحي = لألبس عري واقعنا الفقير وأسرجت القوافي حاملات = مصابيح الهدى عبر الدهور سكبت لقدسنا روحي مدادا = فحمحمت الصوارم في السطور وما الأقصى سوى شريان نبض = يضخ العز في رئة العصور أطاول بالمجرة عزم قوم = يرون النصر في صخب الزئير لعلي أفتدي بالروح أهلا = بحد السيف والقلم الجسور إليك بأرفق الكلمات أسعى = وبالأمل المشير إلى النفير فإني شاعر القدس المعنى = وإني شاعر الأقصى الأسير وإني قد بليت بهم قومي = أجاهد بين نيران ونور أعانق هامة الجوزاء صدقا = وأترك للأسافل كل زور وأصفح عن سفاهة كل غر = صفاء البحر عن عبث الصخور وما ضر الشموس إذا تجلت = عمى العينين في جنف الجحور قبضت يد السحاب ببعض عزمي = وجزت بها لبارقة السرور أناشدها الهطول بفيض علم = تجاهله الكبير مع الصغير وأقلع ذو البصيرة عن سبيل = وأتبع خطوة الأعمى الضرير فكنت وبعد هذا الجهد أبدو = كساقي الأرض في اليوم المطير فهل قد ضنت الدنيا بقوم = كأمثال القلائد في النحور وهل جفت بحور الشعر حتى = يكاد الشعر لا يروي غديري لكم ورد المناهل وهي جدب = فأصدر بي عن الحرف النمير ألا إن النفوس إذا استقامت = تسامت بالخطير عن الحقير وما يرجى لذي قدر مقام = إذا افتخر البصير بدار عور سأمضي ما حييت على سبيلي = ولا أرجو سوى المولى القدير أذود بهمتي عن كل حق = وأبرئ ذمة العبد الشكور فتقصيري عن استرضاء ربي = أشد علي من كلب عقور يبادر بالإساءة طوع حقد = فأدفعه بحلمي لا ثبوري وأكره أن أكون له مجيبا = وفي خلق الترفع خير سور سأمضي والدموع على إخاء = تخط رسالة الحزن المرير إذا ما أوجعت لم أجف عيني = ولا كفي الكسيرة من قصور فإن أفل الوداد على قلوب = فقلبي بالوداد سراج نور
