الأدبنثر أدبي

مرافئ الحيرة في نجوى الذات

ثَمَّةَ سَنَاءٌ قَصِيٌّ، يَلُوحُ لِي خَلْفَ سُجُوفِ الغَيْبِ الغَائِرِ، يَتَراقَصُ جَذوةً مِن حُلُمٍ فِي مَحاجِرِ الرُّوحِ، فَيَبُثُّ الضِّيَاءَ فِي دَيَاجِيرِ اليَأْسِ القَابِعَةِ فِي مَكامنِ الخَاطِرِ المَكْسُورِ. أَرْقُبُهُ فَوْقَ هَامِ العَلَمِ الأَشَمِّ، مَنَارًا لِلسَّالِكِينَ، وكَعْبَةً لِلظَّامِئِينَ، يَرْمُقُنِي بِعَيْنِ الوَصْلِ فَأَسْعَى إِلَيْهِ بِجَوانِحَ مِلؤُهَا الشَّوْقُ العَارِمُ، فَيَدْنُو حَتَّى يَكادَ يَلْثُمَ حَنَايا النَّفْسِ بِهَالَةٍ مِنَ السَّنَاءِ الباذِخِ الذي يَخْطَفُ الأَبْصارَ ويُحَيِّرُ البَصائِرَ. تَقْتَرِبُ الخُطَى وتَكادُ تَلْتَحِمُ الرُّؤى، لَكِنَّ المَسَافَاتِ تَبْقَى عِصِيَّةً مَمْنُوعَةً، تَفْصِلُ بَيْنَنا كَأَنَّ مِيعادَ اللِّقَاءِ يَنْكَفِئُ عَلَى ذَاتِهِ حَيَاءً مُسْتَتِراً، أَوْ يَعْتَذِرُ تَعَفُّفًا وتَمَنُّعًا؛ فَكُلَّمَا أَوْغَلْتُ فِي القُرْبِ طَلَبًا نَأَى بِيَ المَدَى هَرَبًا.

وَا لَهَفِي عَلَى هِمَّتِكِ الفَيْحَاءِ التي لا تَحُدُّها التُّخُومُ! أَيُّ عِظَمٍ هَذا الذي يَتَسَرْبَلُ بِهِ إِصْرارُكِ العَنِيدُ المَجِيدُ؟ لَقَدْ تَعَهَّدْتُكِ بِالرِّعايَةِ حَتَّى كَلَّ النَّفَسُ وما كَللْتُ، وصَحِبْتُكِ فِي مَفاوزِ الحَيَاةِ المُوحِشَةِ حَتَّى مَلَّ الدَّرْبُ وما مَللْتُ. حَمَلْتُكِ عَلى مَتْنِ المَكارِمِ حَيْثُ يَسْتَحِمُّ الوَرْدُ بِنَدى الفَضِيلَةِ، وأَوْرَدْتُكِ مَناهِلَ النَّقَاءِ التي لا يَكْدُرُ صَفْوَها شَائِبَةٌ، ولا يَمَسُّ عُذُوبَتَها كَدَرٌ، وغَذَّوْتُكِ بِالخُلُقِ الكَرِيمِ شِيمَةً وقِيمَةً، وطِباعًا واصْطِناعًا. وَهَبْتُكِ مِنْ سَجَايا الكِرَامِ حِرْصاً لا يُضَامُ، ومَنَحْتُكِ بَلابلَ فَوْقَ أَفْنَانِ الذِّكْرِ المَوْرِقَةِ، تَشْدُو بِتَرَانِيمِ الخُلُودِ، فَلا تُغَنِّي لِخَرِيفِ العُمُرِ الزَّائِلِ، بَلْ تَسْتَسْقِي رَبِيعَ الرُّوحِ البَاقِي فِي كُلِّ حِينٍ. غَرَسْتُ فِي جَوانِبِكِ مِنْ بذورِ الوُدِّ أزاهِرَ لَا تَتَفَتَّقُ أَكْمامُهَا إِلَّا عَلَى أَرِيجِ الصِّدْقِ وأَلْوَانِ الوَفَاءِ، وسَكَبْتُ فِي مَسَامِعِكِ هَمَسَاتٍ نُورَانِيَّةً، هِيَ لِلْهُدَى نِبْرَاسٌ، ولِلتُّقَى قِبْلَةٌ وقِرطاسٌ، ولِلرَّشادِ عِمادٌ واقْتِبَاسٌ. نَثَرْتُ فِي أَرْجائِكِ مَسَاحَاتٍ مِنَ البَيَاضِ البَاذِخِ، كَأَنَّهَا أَقْحُوانُ المُرُوجِ حِينَ يَتَبخْتَرُ عَلَى أَدِيمِ الأَرْضِ النَّضِيرِ، وقَذَفْتُ فِي خِضَمِّكِ العَمِيقِ لآلِئَ العِلْمِ التي لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، ودُرَرَ البَيَانِ التي لا يَبْلُغُها وَصْفٌ، وزُمُرُّدَ النُّورِ الذي حَاكَتْهُ مَغَازِلُ التَّجارِبِ وحَنَّكَتْهُ عَصَارَةُ الحَيَاةِ، وصَقَلَتْهُ حِكْمَةُ الأَيَّامِ الغَوابِرِ.

فَأَيُّ خَطْبٍ جَلَلٍ أَلَمَّ بِكِ فَأَوْهَنَ مِنْكِ القُوى؟! وأَيُّ هَمٍّ كَثِيفٍ جَثَمَ عَلَى كَاهِلِكِ الرَّقِيقِ فَأَثْقَلَ المَسِيرَ وأَعْمَى البَصِيرَةَ؟! أَيُّ عَزْمٍ مُتَهَوِّرٍ هَذا الذي يَقْتَادُكِ نَحْوَ مَهالِكِ الحَيْرَةِ، وأَيُّ لَوْعَةٍ تِلْكَ تَسْتَعِرُ بَيْنَ جَوانِحِكِ الرَّزِينَةِ؟! أَرَدْتُكِ لِي قَرِينةً تَرْعَى عَهْدِي، وقَرِيبَةً تَمْنَحُ سَعْدِي، فَإِذا بِكِ تَخْتَارِينَ الاغْتِرابَ فِي مَتَاهَاتِ الزَّمَنِ السَّرْمَدِيِّ، وتَجُوبِينَ دُرُوبَ العُمُرِ غَرِيبَةً نَكِرَةً، كَأَنَّكِ لَمْ تَسْكُنِي هَذَا الفُؤَادَ يَوْمًا. تُطَالِعِينَ الوُجُوهَ بِوَجُومِ الذَّاهِلِ، وتَنْبُشِينَ فِي الرَّمادِ عَنْ بَقَايا ذَلِكَ الحُلُمِ العَتِيقِ وَقَدْ ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيَاحُ. تَتَأَمَّلِينَ انْصِرَامَ السَّاعَاتِ بِبُؤْسٍ وانْكِسَارٍ، وفِي عَيْنَيْكِ نَظْرَةٌ حَائِرَةٌ تَنْعِي المَاضِي وتَخْشَى الآتِي، فَكأنَّ الأَيَّامَ أَنْكَرَتْكِ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، وكَأَنَّ اللَّيَالِيَ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ لَكِ سَكَناً ولا مأْوَىً. أَنْتِ الغَرِيبَةُ فِي مَكَانِكِ الرَّحِيبِ، والنَّازِحَةُ عَنْ زَمَانِكِ القَرِيبِ، والمُغْتَرِبَةُ حَتَّى عَنْ إِحْسَاسِكِ النَّابِضِ وذَاتِكِ التي أَعْرِفُها!

أَمَا كَفَاكِ هَذا العَنَاءُ المُضْنِي الذي أَوْرَثْتِهِ قَلْبِي، وهُوَ الذي مَا عَادَ يُقْنِعُهُ مَتَاعٌ مَنْقُوصٌ، ولا يَبْتَهِجُ إِلَّا بِابْتِهَاجِكِ المَوْصُولِ؟! أَمَا كَفَاكِ وَجْدِي الذي يَقُضُّ مَضْجَعِي لَيْلًا ويُبْكِي العُيُونَ، وجُهْدِي الذي يُفْنِي عَصَبِي نَهَارًا ويُضْنِي الشُّجُونَ؟! لَقَدْ رَهَنْتُ لَكِ العُمُرَ صَرْحًا مُمَرَّدًا مِن قَوارِيرَ، عَالِي الشُّرُفاتِ، مُمْتَدَّ الرَّدَهاتِ، حَصِينًا بِأَسْوارِ العِزِّ المَنِيعَةِ، وَارِفًا بِأَشْجَارِ الأُنْسِ الرَّفِيعَةِ، مُزْدَانًا بِأَزْهِارِ الوُدِّ الوَدِيعَةِ التي لا تَذْبُلُ مَهْمَا مَرَّ الزَّمَانُ. فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْ كُلِّ هَذا النَّعِيمِ، وأَيُّ مَنْفَىً هَذا الذي اخْتَرْتِهِ لِنَفْسِكِ فِي مَدَى بَوْحِى وَفِي صَدَى نَوحِي وَفِيمَا وَرَاءِ آفَاقِ عُيُونِي؟!

فَيَا حَيْرَةَ النَّفْسِ التي بَلَغَتْ مَدَاهَا، وَيَا َارْتِباكِ الحَدْسِ فِي زَحْمَةِ الدُّرُوب؛ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلى رِضَاكِ بَعْدَمَا أَسْرَفْتِ فِي النُّفُورِ، وأَوْغَلْتِ فِي الغُرُورِ؟ وكَيْفَ العُرُوجُ إِلى “هُنَاكَ” حَيْثُ يَنْبَجِسُ مِنْ جَبِينِ انْثِيَالِكِ الضِّيَاءُ الطَّهُورُ، وتَسْتَكِينُ الرُّوحُ بِعَبَقِ اقْتِبَالِكِ بَعْدَ طُولِ الثُّبُورِ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى