فَجْرِي هُنَاكَ؛ بَيْنَ لَيْلِ عَيْنَيْكِ وَشَمْسِ جَبِينِكِ، فِي حَنَايَا عَقْلِكِ وَفِي شِغَافِ قَلْبِكِ. هُنَاكَ حَيْثُ تَفَتَّقَتْ دَيَاجِي انْتِظَارِي الشَّاخِصِ حَنِينًا مُحَلِّقًا فِي آفَاقِ النَّشْوَةِ المُمْتَدَّةِ عَلَى خُطُوطِ إِبْدَاعِكِ وَرُقِيِّ فِكْرِكِ، وَحَيْثُ يُزْهِرُ الجَمَالُ الهَادِئُ مُرُوجًا مِنْ عَبَقِ صِدْقِكِ وَأَلَقِ عُمْقِكِ. وَهُنَاكَ، فِي مَكَانٍ لا يَتَّسِعُ لِلَهْفَةِ الوُجْدَانِ، تَتَشَظَّى الأَلْوَانُ فِي أَكَفِّ الزَّمَانِ، فَتَصِيرُ رِقَّةُ ذِكْرِكِ نَسِيمًا يَمْسَحُ وَجْهَ الحَيَاةِ، وَتَتَجَلَّى رَغْبَتِي فِي تَقْبِيلِ صَبَاحٍ يُشْبِهُ لَوْحَةً رَسَمَتْ فِتْنَتَكِ فِي الأَكْوَانِ، تَتَحَسَّسُهَا أَطْرَافُ الوِدَادِ الوَالِهِ بِأَنَامِلِ الفُؤَادِ التَّائِهِ بَيْنَ وَجْفَةِ صَمْتٍ وَرَجْفَةِ بَوْحٍ شَفيفٍ.
كَمْ تَمَطَّى رَكْبُ لَيْلِي وَتَثَاءَبَتْ نُجُومُهُ وَلا زِلْتُ أَسْرِي بِالأَمَلِ، أُسْرِجُ الصَّبْرَ بِقِنْدِيلِ اليَقِينِ، وَأَحْمِلُ فَوْقَ كَتِفِي أَرْزَاءَ السِّنِينِ لا العَزْمُ مَلَّ وَلا المَتْنُ كَلَّ وَلا الفَجْرُ هَلَّ. هِيَ رِحْلَةٌ أَبْحَثُ فِيهَا عَنْ مَسَاءٍ مِنْ صَفَاءٍ وَصَبَاحٍ مِنْ أَمَلٍ. وَأَنَا إِلَى حُلُمِكِ النَّاضِرِ أَجْتَازُ ظِلَّ سُدْفَةِ الغِيَابِ كَمَا يَجْتَازُ النَّهْرُ صَخْرَةَ التَّبَابِ، أَحْمِلُ فِي جَوْفِي نَبْضَكِ كَمَا تَحْمِلُ الأَرْضُ مَاءَ الغَيْمِ، وَمَعَ كُلِّ تَمَطٍّ لِلزَّمَانِ يَكْبُرُ فِي نَفْسِي صَدَى صَدْرِكِ، كَأَنَّهُ يَسْتَدْعِي الحَيَاةَ مِنْ عُمُقِها، فَأَصِيرُ أَنَا نَفْسِي شَلَّالًا يَنْهَمِرُ بِدَفْقِ حُبِّكِ.
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ دَرْبِي يَنْتَهِي إِلَيْكِ، حَيْثُ يُشْرِقُ فِي صَبَاحِكِ الوَضَّاءِ عُمْرِي وَيَرْتَاحُ عَلَى صَدْرِكِ الحَانِيَ مَكْلُومُ الفُؤَادِ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكِ هُنَا إِذًا لَكُنْتُ جِئْتُكِ مُنْذُ زَمَنٍ، وَلَكَتَبْتُ عَلَى وَجْنَةِ الزَّمَانِ تَرَانِيمَ تَوقٍ لِلقَمَرِ. وَلَئِنْ كَانَ القَدَرُ يَكْتُبُ فِي لَوحِهِ المَكْنُونِ مَوَاعِيدَ غَيبِهِ، فَإِنَّ قَلْبِي يَكْتُبُ أَسَانِيدَ شَوْقِهِ فِي قَرَاطِيسِ صَبْرِهِ. وَيَبْحَثُ فِي مِصْبَاحِ صَبَاحَتِكِ عَنْ مَعْنَى يُقَطِّبُ بِهِ نُدُوبَ المَاضِي ويَسْتَضِيءُ بِهِ دُرُوبَ المُسْتَقْبَلِ، أَوْ نَجْمَةٍ لَا تَنْفَكُّ تُسَافِرُ فِي سَمَاءِ أُفُقِي، فَأَسْتَقِرُّ أَنَا عَلَى جُودِيِّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، أَسْتَعِيرُ مِنْكِ سَلَامًا وَأُهْدِي لَكِ غَرَامًا يَسْتَلْهِمُ ضِيَاءَهُ مِنْ صَفَائِكِ.
بَيْنِي وَبَيْنَكِ لَيْتَهُ جَمَعَ القَدَرُ، بَيْنَ المَسَاحَاتِ البَيْضَاءَ فِي التِقَاءِ الرُّوحِ بِالرُّوحِ وَاحْتِفَاءِ المَعَانِي بِالصُّوَرِ. هُنَاكَ حَيْثُ لا يُثْمِرُ غَرْسُ الصِّدْقِ غَيرَ الوَفَاءِ وَلا تَنْسِجُ يَدُ التُّقَى غَيْرَ أَجْمَلِ رِدَاءٍ. هُنَاكَ حَيْثُ وَجَدْتُكِ دُرَّةً عَلَى جَبِينِ الشَّمْسِ تَسْطَعُ فِي نَقَاءٍ وَارْتِقَاءٍ. وَوَدَدْتُ لَو أَنِّي أُحَلِّقُ إِلَى ذَلِكَ المَقَامِ لِأُقِيمَ فِيهِ مَأْوًى لِرُوحِي، وَسَقَفًا لِأَحْلَامِي، وَسِتَارًا لِعَشْقِي. فَإِنَّ مَا بَيْنَنَا يَسْتَحِيلُ فِيهِ الفَرَاقُ إِلَّا خَيَالًا، وَإِنَّ الأَيَّامَ لَتُقْبِلُ عَلَيَّ بِثَوْبِهَا البَاهِتِ بَائِسَةً كَأَنَّهَا تَقْتَاتُ الوَقْتَ مِنْ فُتَاتِ الوَجْدِ. وَتَمْخُرُ بِنَا سَفِينَةُ الحَيَاةِ بِشِرَاعٍ مَمْزُوقٍ وَحُلُمٍ مَمْذُوقٍ حَيْثُ تَتَصَافَحُ الذَّاتُ بِالذَّاتِ وَتَتَحَاوَرُ العُيُونُ بِاللَفَتَاتِ، وَتَتَحَوَّلُ المَسَافَةُ بَيْنَنَا مِنْ مِسَافَةِ خَيَالٍ إِلَى حسَافَةِ سُؤَالٍ، وَيَصِيرُ التَّوْقُ لَحْنًا شَجِيًّا يَسْتَجْدِي مِنْ أَوْتَارِ الأَوْهَامِ عَزْفًا سَاهِدًا فِي كُلِّ حِينٍ.
أَيَّتُهَا المُتَفَرِّدَةُ فِي صَفَاءِ ذَاتِكِ، المُحْتَشِمَةُ فِي هُدُوءِ قَسَمَاتِكِ: مَا زِلْتُ أَنْهَلُ مِنْ رَحِيقِ الذِّكْرَى شَهْدَ أَزَاهِيرِ اللِّقَاءِ، وَأَسْتَعِيرُ مِنْ أَمْنِيَّاتِ اللَّذَّةِ السَّادِرَةِ مَا يَجْعَلُ المَشَاعِرَ تَسْتَقِرُّ فِي رِقَّةِ مَاءٍ. هِيَ تَمْتَمَاتُ الفُؤَادِ العَاشِقِ أَصَابَتْهُ حُمَّى الفِرَاقِ فَذَابَ كَشَمْعَةٍ يَسِيلُ مِنْ أَنِينِ أَضْلَاعِهَا نُورٌ صَامِتٌ خَافِتٌ، وَيَتَقَطَّرُ مِنْ وَجْدِهَا دَمْعٌ لَا يُعْلِنُ الشَّكْوَى. وَتَظَلُّ الرُّوحُ مُقِيمَةً عَلَى وَعْدِ الوَصْلِ، تُصَافِحُ الطَّيْفَ وَتَكْتَفِي بِالاغْتِرَابِ سِتْرًا، وَتُرَتِّلُ فِي لَيْلِ الغِيَابِ دُعَاءً خَافِتًا، كَأَنَّهُ جِسْرٌ مِنْ نُورٍ يَعْبُرُ بِهَا إِلَى فَجْرِ اللِّقَاءِ.
