الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

بين الترفُّعِ والابتذَالِ: صِراعُ الطِّينِ والنُّور

على أطرافِ الوجودِ حيثُ تتماسُّ تخومُ الرُّوحِ بآفاقِ الأزلِ تقفُ النَّفسُ الحُرَّةُ مَشْرَفًا باذِخًا يُطِلُّ على لُجَّةِ الكينونةِ، لا بصفتِها ذرَّةً تائهةً في غبارِ العدمِ، بل بصفتِها مَدارًا ينضبطُ على إيقاعِ كبريائهِ نبضُ المجرَّات. فهذهِ النَّفسُ التي لم يَطْمِثها سَفَهُ المطامعِ ولم تُدنَّسْ حياضَها رغباتُ الاستجداءِ، هي سدرةُ المنتهى في معراجِ الكرامةِ، لا يرقى إليها إلَّا مَن تسربلَ بجلبابِ الأنفةِ واغتسلَ بماءِ التَّرفُّعِ عن دنايا العالمِ السُّفليِّ، حيثُ ينبثقُ الوعيُ لا كفعلٍ إدراكيٍّ عابرٍ، بل كصراعٍ ميتافيزيقيٍّ محتومٍ بينَ جبروتِ الطِّينِ الذي يشدُّ الكائنَ إلى مهاوي الغريزةِ ودنايا المنفعةِ، وبينَ معراجِ النُّورِ الذي يدفعُ بهِ نحو مقاماتِ الجلالِ المطلق. إنَّ هذا التَّأرجحَ الأزليَّ بينَ ملائكيةِ الترفعِ وبشريةِ الابتذالِ هو الناظمُ الأوحدُ لجوهرِ القدرِ الإنسانيِّ ومناطُ التَّفاوتِ بينَ الأرواح؛ فما كانَ للنُّورِ أن ينحنيَ للمادَّةِ، وما كانَ للكبرياءِ أن تقبلَ بقسمةِ الضِّيزى في سوقِ الابتذالِ البشريِّ الذي غصَّتْ بهِ مجامعُ النَّاسِ حتى استحالَ الوجودُ غابةً من الضَّجيجِ يبحثُ فيها الحُرُّ عن صمتِهِ الملكيِّ فلا يجدُهُ إلَّا بالاعتزالِ والضَّنِّ بالذَّاتِ عن مواردِ العطشِ المُرِّ الذي تُسقاهُ النُّفوسُ المتهالكة؛ فبينما يرتضي الغوغاءُ من الحياةِ فتاتَ القبولِ الاجتماعيِّ ولو كانَ مَمزوجًا بذُلِّ الاستجداءِ، تقفُ النُّفوسُ الأرستقراطيةُ في مِحراِبها القُدسيِّ ضنينةً بذاتِها ترفضُ أن تَرِدَ مواردَ تُحرجُ كبرياءَها أو تجرحُ كمالَ هيبتِها، مُوقنةً أنَّ الضَّنَّ بالنَّفسِ هو عينُ الصِّيانةِ، وأنَّ التَّرفعَ عن الصَّغائرِ هو مِعراجُ الخُلودِ في ذاكرةِ الشَّرفِ الأبدية.

إنَّ هذا التَّأرجحَ الأزليَّ بينَ ملائكيةِ الترفعِ وبشريةِ الابتذالِ هو الناظمُ الأوحدُ لجوهرِ القدرِ الإنسانيِّ ومناطُ التَّفاوتِ بينَ الأرواح.

تبدأُ النَّفسُ رحلتَها من نُواةٍ شعوريةٍ صغرى، تَتوقُ إلى “الآخر” كشطرٍ مُتمم بَحثًا عن أُلفةٍ تليقُ بمقامِ الوَجد. غيرَ أنَّ هذهِ الأُلفةَ عندَ أبناءِ السَّماءِ ليستْ حبلًا يُلقى لغريقٍ، بل هي تعانقُ شموسٍ في فضاءٍ واحد؛ إنَّ هذا التوقَ ليسَ اعترافًا بنقص، بل هو فَيضُ كمالٍ يبحثُ عن مِرآةٍ تليقُ بجلالِه، والألفةُ عند الكبارِ ليستْ “قطيعًا” يُؤنسُ وحشةَ العجز، بل ائتلافٌ في فضاءٍ رَحب. وإنه متى ما لاحَ في أُفقِ القُربِ غُبارُ مَهانةٍ، أو بَدَتْ من ثُقوبِ العلاقاتِ نظرةُ استصغارٍ تُمزِّقُ هالةَ القداسةِ، أو استحالَ الائتلافُ صَخبًا يخدشُ حياءَ الصَّمتِ، أو صارَ القُربُ ممرًّا تُداسُ فيه أزاهيرُ الهيبة، انقبضتِ النَّفسُ كطيِّ السِّجلِّ للكتابِ، وآثرتْ وحشةَ المدارِ الفريدِ على زِحامِ القطيعِ المُمهِّدِ للذُّلِّ، وعادتْ إلى مِحراِبها الأقدس. فالإنسانُ الراقي يرى في كرامتِهِ جسمًا حيًّا لهُ أنيابٌ وأجنحةٌ يَذودُ بها عن حياضِهِ، وهي “فيزياءُ كرامةٍ” تُعيدُ تشكيلَ المادةِ الصُّلبةِ في الرُّوحِ لِتَجعلَ من المجرَّدِ كائنًا يَحرسُ حياضَ الذات. ولا يرى في الوَصلِ غايةً تُبرِّرُ وسيلةَ الانكسارِ، بل يراهُ شرفًا يُمنحُ للمحرابِ بعدَ طُولِ تبتُّلٍ وتمحُّصٍ، لا مَذلةً تُساقُ إليها القرابين. فإذا ما تبيَّنَ أنَّ المِحرابَ خاوٍ من الجلالِ، أو استحال القرب قيدًا، استحالَ القُربُ نفيًا، وصارَ الاعتزالُ هو الموطنَ الحقيقيَّ للرُّوحِ التي تأبى أن تُستباح.

إنَّ الرَّغبةَ في القُربِ موجةٌ صاعدة، وإنَّ هذا المعمارَ النفسي التراكميَّ يمتصُّ عناصرَ الكونِ ليصيغَ فلسفةً في الألفةِ والوحدةِ تتجاوزُ الرصدَ السلوكيَّ العادي؛ فالمُحبُّ الأرستقراطيُّ يرى في مَحبوبِه تاريخًا من النُّورِ، ويجعلُ من الوصلِ صلاةً في هيكلِ الجمال. ولكن، ويا لجلالِ “ولكن” حين تنطقُ بها الأنفة، إذا ما لاحَ بادرُ ذُلٍّ، أو بوارقُ مَهانةٍ تطلُّ برأسِها، فإنَّ النَّفسَ تضنُّ بذاتِها ضَنَّ الشَّحيحِ بآخرِ قطراتِ الحياة. فالمحبوبُ مَركزُ الكونِ نعم، ولكنَّ الذاتَ هي المدارُ الذي لولاهُ لتاهَ المركزُ في تيهِ العبث. والنَّفسُ الحُرَّةُ ترى في الألفةِ مَغنمًا رُوحيًّا لا يُنالُ إلا بشَرطِ التكافؤِ في الجلال، فإذا ما استحالَ القُربُ مَهانةً انقلبتْ تلكَ الألفةُ إلى وحشةٍ باذخةٍ هي في حقيقتِها خَلوةُ الملوكِ وترفعُ السادة.

ومِن هُنا يتجلَّى الفرقُ العميقُ بينَ مَن تربَّى على الاستجداءِ ومَن جُبِلَ على الاستحقاق؛ فالنُّفوسُ المبتذلةُ ترى في الحياةِ فرصةً للاقتناصِ ولو كانَ الثَّمنُ تمريغَ الجباهِ في رَغامِ الطَّلبِ، بينما ترى النُّفوسُ الضَّنينةُ أنَّ الحياةَ مِحنةٌ لإثباتِ النُّبلِ وصيانةِ المكانةِ، فهي تَضَنُّ بنفسِها عن المواردِ التي تُحرجُ كبرياءَها أو تجرحُ كمالَ رؤيتِها لذاتِها ولو كلَّفها ذلك الحرمانَ المُقيمَ والعيشَ بينَ القفارِ؛ لأنَّها تُدركُ يقينًا أنَّ اللحظةَ التي ينكسرُ فيها زُجاجُ الهيبةِ لا تنفعُ معها جراحةُ التَّرميمِ، وأنَّ المرءَ لا يُوزَنُ بما يملكُ بل بما يترفعُ عنهُ وبالمسافةِ التي يضعُها بينَ نورِهِ الخاصِّ وظلامِ الدَّنايا التي تَلُفُّ أذيالَها حولَ غاياتِ البشرِ الرَّخيصة. إنَّ هذا التَّرفُّعَ يخلقُ نوعًا من الفيزياءِ الوجوديةِ التي تجعلُ من المشاعرِ المُجرَّدةِ كائناتٍ ملموسةً لها وَقْعُ السَّنابِكِ على صفحةِ القلبِ، فتصيرُ الغيرةُ على النَّفسِ عِطرًا يسبقُ خطواتِ الحُرِّ في مجالسِ الرِّجالِ، وتُصبحُ العِزَّةُ قضاءً مُبرمًا لا يقبلُ التَّأويلَ ولا تعرفُ لغتُهُ المداهنةَ أو تملُّقَ الوجوهِ الصَّغيرةِ التي تقتاتُ على بقايا موائدِ العظماءِ. فالعلاقاتُ الإنسانيةُ في منظورِ هذا الرُّقيِّ هي ميثاقٌ غليظٌ يُقدِّسُ “الآيةَ” في الإنسانِ ويرفعُ المحبوبَ لمرتبةِ الوحيِ بشَرطِ أن يبقى عهدُ الوصلِ مُمَرَّدًا من قواريرِ الصِّدقِ والأنفةِ، فإذا ما تدنَّسَ هذا الميثاقُ بلَوثةِ المصلحةِ أو خِسَّةِ المَطلبِ حطَّمتْهُ مطارقُ التَّرفُّعِ دونَ ندمٍ، فالفناءُ في الجمالِ لا يعني الانمحاءَ في الغيرِ بل هو ارتقاءٌ بالذاتِ لتكونَ أهلًا لهذا الحضورِ الباذخِ، وإلَّا فإنَّ الانسحابَ هو التَّاجُ الحقيقيُّ والاعتزالُ هو الموقفُ الأشرفُ الذي يُحوِّلُ الحرمانَ إلى انتصارٍ خفيٍّ لا يعرفُ مذاقَهُ إلَّا الخواصُّ من أربابِ القُلوب.

إنَّ التَّرفعَ عن الدنايا ليسَ فعلًا أخلاقيًّا مجردًا، بل هو “فيزياءُ كرامةٍ” تُعيدُ تشكيلَ المادةِ الصُّلبةِ في الرُّوح، وقُدرةٌ على جعلِ المجرَّدِ كائنًا له “أنيابٌ وأجنحة”؛ فالإهانةُ ليستْ كلمةً تُقال، بل هي وحشٌ كاسرٌ يحاولُ تمزيقَ نسيجِ الهالةِ المحيطةِ بالذاتِ الملكية. هذا التَّرفعُ هو الذي يخلقُ “الهيبةَ والوحشيةَ الأنيقة” في لغةِ العظماء؛ إنَّهم يختارونَ كلماتِهم كما يختارُ الكاهنُ مَباخرَ المعبد، فكلامُهم حُجةٌ وقضاءٌ لا يقبلُ الالتواء. إنَّ الضَّنَّ بالنَّفسِ عن المواردِ الضحلةِ هو نوعٌ من “التبتلِ الكبريائي”، فإذا ما تبيَّنَ أنَّ الآخَرَ ليسَ سوى صنمٍ من طينِ المصلحة، حطَّمتْهُ مطارقُ الترفع، وعادتْ الرُّوحُ إلى وحدتِها مُكللةً بغارِ الاستغناء.

فيظهرُ حينها “عجزُ” العظماءِ الذي هو في حقيقتِهِ مُنتهى القوة؛ إذ يختارونَ الحرمانَ بابتسامةِ الملوكِ ويُفضِّلونَ الاعتزالَ في صوامعِ عِزَّتِهم على الابتذالِ في قصورِ الذُّل، باحثينَ دومًا عمَّا يصونُ لا عمَّا يُضيف،

وبينَ أملِ الإقدامِ وألمِ الإحجامِ تدورُ رَحى معركةٍ فلسفيةٍ كُبرى في وجدانِ الإنسانِ الحُرّ؛ فالإقدامُ نُزوعٌ نحو الحياةِ وتحقيقِ السِّيادةِ وبسطِ النُّفوذِ الرُّوحيِّ على مساحاتِ الوجود، غيرَ أنَّ هذا الزَّخمَ تَلْجُمُهُ مخافةُ التَّسفُّلِ فيأتي الإحجامُ كفعلِ بطولةٍ صامتٍ يرفعُ سيفَ الكرامةِ عاليًا كلَّما أحسَّ بأنَّ الإقدامَ قد يتطلَّبُ انحناءةً لغيرِ جلالِ الحقِّ والخيرِ والجمال. وهذا الإحجامُ ليسَ جُبنًا بل هو شجاعةُ الانكفاءِ والوجعُ النبيلُ الذي يعتصرُ القلبَ حين تلوحُ الفُرَصُ وتدنو المغانمُ لكنَّ ثمنَها قطرةٌ من ماءِ الوجهِ لا تُعوَّض، فيظهرُ حينها “عجزُ” العظماءِ الذي هو في حقيقتِهِ مُنتهى القوة؛ إذ يختارونَ الحرمانَ بابتسامةِ الملوكِ ويُفضِّلونَ الاعتزالَ في صوامعِ عِزَّتِهم على الابتذالِ في قصورِ الذُّل، باحثينَ دومًا عمَّا يصونُ لا عمَّا يُضيف، فالمكانةُ عندَهم ليسَتْ منصبًا يُحتَلُّ بل هي رُتبةٌ وجوديةٌ لا تُنالُ إلَّا بالزُّهدِ فيما بأيدي النَّاس. وهذا هو مناطُ الاختلافِ بينَ الطِّباعِ والأقدار، فالمرءُ حيثُ يضعُ نفسَهُ لا حيثُ يضعُهُ النَّاسُ، ومَن ضَنَّ بنفسِهِ ضَنَّتْ بهِ الأقدارُ عن السُّقوطِ في حُفَرِ الاهتزازِ فيبقى صُلبًا كالطَّودِ العظيمِ لا تنالُ منُهُ رياحُ المطامعِ ولا تُغريهِ بوارقُ السَّرابِ التي تخدعُ العيونَ المحجوبةَ بغشاءِ المادةِ وغَلَظةِ الطِّين.

إنَّ النَّفسَ التي تعيشُ هذا التَّبتُّلَ الكبريائيَّ تنظرُ إلى العالمِ نظرةَ الشَّاهدِ البصيرِ الذي يُميِّزُ بينَ رنينِ الذَّهبِ وخَشخَشَةِ النُّحاس، فتزهدُ في الكثيرِ المذمومِ وتقنعُ بالقليلِ المُقدَّسِ مُفضِّلةً جوعَ الكرامةِ على شِبَعِ الهوان. وهذا هو معيارُ “الملائكيةِ” التي تنزعُ عن البشرِ ثوبَ الضَّعفِ لتُلبِسَهُمْ دِرعَ الحصانةِ الوجوديةِ ضدَّ كلِّ ما هو دنيءٌ أو زائل، فالاعتدادُ بالذاتِ هو المغناطيسُ الذي يجذبُ العظائمَ ويطردُ الصَّغائرَ تلقائيًّا دونَ جُهدٍ مصنوعٍ أو تكلُّفٍ ممقوت، لأنَّ رُوحَ الحُرِّ لا تقبلُ الضَّيمَ حتى في غيابِ الرَّقيبِ إذ رقيبُها هو ميزانُها الذاتيُّ وصوتُها القادمُ من أعماقِ السَّحيقِ الذي لا يخون. وصيانةُ هذهِ المكانةِ تتطلَّبُ هيبةً ووحشيةً أنيقةً في توظيفِ الموقفِ والكلمة، فهُم يختارونَ كلماتِهم كما يختارُ الكاهنُ مَباخرَ المعبد، وكلامُهم حُجةٌ وقضاءٌ مُبرمٌ لا يقبلُ الالتواء.

إنَّ العلاقاتِ الإنسانيةَ هي الميدانُ الذي تظهرُ فيهِ كيمياءُ النُّفوسِ بأبهى وأبشعِ صورِها، حيثُ يتبدَّى صراعُ السَّنابِكِ على صفحةِ القلبِ كجيوشٍ من الأفكارِ العظيمةِ التي تأبى إلَّا أن يكونَ ميدانُها طاهرًا ومُقدَّسًا. فهُناكَ صِنفٌ من البشرِ جعلوا من أنفسِهم جُسورًا تعبرُ عليها رغباتُهم لا يُبالونَ بوطأةِ الأقدامِ فوقَ وجوهِهِم ما دامَ المقصدُ شهوةً تُقضى أو غايةً تُدرَك، هؤلاءِ عبيدُ الغاياتِ الذينَ استبدلوا بسدرةِ الرُّوحِ سِدرًا مخضودًا من المذلَّة، عيشُهم ضجيجٌ وموتُهم صمتٌ وتاريخُهم ثُقوبٌ سوداءُ تمتصُّ ضياءَ الكرامة ومجرَّاتِ الفضيلةِ. والنَّفسُ التي لا تشعرُ بالألمِ عندَ ورودِ مواردِ الإحراجِ هي نفسٌ ميِّتةٌ اجتماعيًّا ونفسيًّا، أمَّا النَّفسُ الحيَّةُ فهي التي تنتفضُ كالموجةِ الهادرةِ ضدَّ أيِّ محاولةٍ لتقزيمِ جلالِها مُفضِّلةً البقاءَ في مدارِها الفريدِ على الاندماجِ في مَجْراتِ الهوانِ الجماعي. والمجتمعاتُ تتمايزُ بمدى قدرةِ أفرادِها على الاستعلاءِ الوجوديِّ فوقَ المطامعِ الضَّيقة، فالفرقُ بينَ المبتذِلِ والضَّنينِ هو الفرقُ بينَ مَن يرى الحُرِّيةَ في إشباعِ الغريزةِ ومَن يراها في التَّحرُّرِ من سطوتِها، وبينَ مَن يرى الحياةَ فرصةً للاستهلاكِ ومَن يراها مَهمةً للارتقاء، فالأوَّلُ يركضُ خلفَ العالمِ والثاني يركضُ العالمُ خلفَ ظلِّهِ الواسع، والأوَّلُ يذوبُ في المادةِ والثاني يصهرُها في أتونِ روحِهِ لتُصبحَ نورًا يمشي بهِ في النَّاس.

المكانةُ لا تُصانُ بكثرةِ الظُّهورِ بل بجلالِ الغيابِ حينَ يكونُ الحضورُ رخيصاً، وبأنَّ الحرمانَ الباذخَ جوهرٌ لا يرتديهِ إلَّا مَن خُلِقتْ روحُهُم من سبيكةِ النُّورِ.

وتعرفُ هذهِ النَّفسُ الضَّنينةُ أنَّ ضريبةَ التَّرفُّعِ قد تكونُ عُزلةً قاسيةً وصمتًا طويلًا وحرمانًا من بهرجِ الحياةِ المزيف، لكنَّها تقبلُ هذا العقدَ بكلِّ شُموخٍ لأنَّ الحفاظَ على المكانةِ لا يكونُ بالمزاحمةِ بالمناكبِ في طُرقاتِ التَّبذُّلِ بل بالارتفاعِ فوقَ سطحِ الاستهلاكِ البشريِّ الذي أحالَ النُّفوسَ إلى سلعٍ تُباعُ وتُشترى في مزادِ المصالح، فإمَّا حياةٌ تبعثُ في النَّفسِ رعشةَ الجلالِ وإمَّا انطفاءٌ يحفظُ للرُّوحِ بقيةَ نورِها بعيدًا عن أعيُنِ الفضوليينَ وأيدي العابثين، ليدركُ الإنسانُ الرفيعُ أنَّ “الوحدة” ليستْ قدرًا مفروضًا، بل هي “خيارٌ أرستقراطي” يتخذهُ حين لا يجدُ في صخبِ الوجوهِ وجهًا يعكسُ جلالَ رُوحِه. إنَّ الحرمانَ في سبيلِ الكرامةِ هو “عطاءٌ باطني” يغذي جُذورَ العِزة، فإنَّ عِزَّةَ الاعتزالِ هي التَّاجُ الذي لا يُبلى والاحتفالُ الصَّامتُ بالذاتِ التي لم تُلزِمْ نفسَها بما يَشينُها، وهذا النَّصُّ الذي نُقِشَ بنبرةِ كاهنِ الجمالِ دستورٌ وجوديٌّ لكلِّ مَن ضاقَ ذرعًا بابتذالِ العصرِ ورداءةِ الأخلاق؛ فلتكُنِ الكرامةُ هي القبلةَ التي نُولِّي وجوهَنا شطرَها ولْيَكُنِ التَّرفُّعُ هو المذهبَ الذي نَدينُ به، ولْيعلمِ الباحثونَ عن الرِّفعةِ أنَّ المكانةَ لا تُصانُ بكثرةِ الظُّهورِ بل بجلالِ الغيابِ حينَ يكونُ الحضورُ رخيصًا، وبأنَّ الحرمانَ الباذخَ جوهرٌ لا يرتديهِ إلَّا مَن خُلِقتْ روحُهُم من سبيكةِ النُّورِ وعِزَّةِ اليقين، فأنْ نعيشَ بضيقِ الحرمانِ الرهين خيرٌ ألف مرةٍ من أن نعيشَ بسعةِ الذُّلِّ المهين، وليبقى الإنسانُ سيِّدَ قدرِهِ وملكَ مدارِهِ ومُهندسَ جلالِهِ الذي لا ينكسر؛ وليبقى الحُرُّ حُرًّا حتى في أقصى درجاتِ انكفائِهِ وليظلَّ مقامُهُ مصونًا بينَ النُّجومِ لا تطالُهُ أوحالُ الأرضِ ولا تنالُ منُهُ صغارُ النفوسِ ولا صغائرُ الأمورِ لأنَّهُ اختارَ العِزَّةَ مذهبًا والكرامةَ قِبلةً والعظائمَ مَوردًا لا يحيدُ عنهُ مهما تقلَّبتْ بهِ الدُّهورُ وتغيَّرتْ وجوهُ النَّاسِ وتبدَّلتْ شِيَمُ الزَّمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى